وداعاً باسل…

 

وداعاً باسل…

كان هذا عنوان رحلتنا أنا وصديقتي متجهين لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الشهيد باسل قبل أن يواري جثمانه الطاهر في تراب حمص الأبية بعيداً عن أهله ومدينته دمشق التي لطالما عشقها ومحاطاً هناك بالعديد من الشهداء الأحرار والقليل من الذين إختارهم حوله في أيامه الأخيرة ليكونوا أخر من رآه وتحدث إليه في مدينةٍ شبه مدينة يعمها الموت والخراب والدمار ورائحة الدماء، إنها أشبه بمدينة الارواح، تراها خالية، مدمرة بشكلٍ شبه كامل، مليئة بالقمامة والفوضى، من بين هذا الدمار المريع

 

ترصدك العديد من العيون التي تراقب تحركاتك، تارةً من النساء الذين يخشون الخروج من النوافذ وتارةً من أطفالٍ يبدو أنهم لا يدركون أي معنى للخطر المحدق بهم، وتارةً أخرى من أهل هذه الأحياء الذين يحرسون المداخل بشكلٍ دائم خوفاً من تسلل الجيش أو المرتزقة لمناطقهم المحررة…

هذه المنطقة تدعى “بستان الديوان – باب الأباء اليسوعيين” وكان جثمان باسل في أحد الكنائس هناك

بدأنا رحلتنا الحزينة بدخول حمص من الطريق الرئيسي القادم من دمشق دون اللجوء للطرق الفرعية، أستقبلنا من قبل حاجز عسكري بإبتسامة عريضة وترحيب، مع تنبيهنا لعدم الذهاب للمناطق التي يستولي عليها “المسلحين” أي الجيش الحر

أكملنا التجوال في أحياء المدينة التي تقع تحت سيطرة الجيش النظامي هناك، بدت الحياة شبه طبيعية في البداية، الشوارع والأرصفة تعمها المارة وحركة المرور لا بأس بها، المحلات والدكاكين أغلبها مغلق و سواترها المعدنية مطلية بألوان العلم السوري.

لم يبدو لنا بأن أي أحد من المارة أو القاطنين كان يبالي بأصوات الإنفجارات وإطلاق الرصاص الكثيف والقريب جداً وكأن شيئاً لا يحدث حولهم.

تابعنا طريقنا بإتجاه حمص القديمة وبدأت حركة السير والمارة تتضائل حتى اختقت تماماً مع دخولنا المناطق القريبة من باب عمرو

المغلق تماماً بأسوار اسمنتية مطلية بألوان العلم السوري مع عبارة ملفتة للإنتباه سورية بخير

تابعنا توجهنا لمقر الهلال الأحمر السوري المتواجد على مشارف المواقع المشتعلة بمنطقة تدعى “القرابيص” وهي منطقة مهجورة تماماً.

بعدها، إقتادتنا سيارة تابعة لمنظمة الهلال الأحمر لمنطقة الكنيسة، وأثناء الطريق وقبل وصولنا للمناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر كان علينا المرور بسرعة فائقة خوفاً من القناصين المتواجدين على أسطح المباني المحيطة، وبعد دخولنا إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر هناك، كان علينا توخي الحذر من قذائف الهاون التي تتساقط من السماء بشكلٍ شبه دائم

مررنا بالعديد من حواجز الجيش الحر دون أي إعتراض أو تفتيش، كانت هناك فقط بعض التوجيهات أثتاء مرورنا عن الطرق الأمنة البعيدة عن الإشتباكات أو قذائف الهاون

وأثناء توغلنا في الأحياء الشعبية الضيقة شهدنا دمارً هائل تقشعرُ له الأبدان ويندى له الجبين، يا إلاهي ! ما كل هذا الدمارلأحياء شعبية تبدو غايةً في الجمال من حيث التشكيل والبنية، تتلاسق فيها البيوت مع الجوامع و الكنائس بشكل عشوائي غايةٍ في الروعة تمزقها الأعيرة النارية و القذائف بشكل يدمي القلب و يهلك الروح، تفوح منها رائحة الموت و البارود ويشق عنان سمائها صوت القذائف و أصوات الأعيرة النارية

بدت لنا وكأنها مدينة عجوز لا يمكنك إغفال الجمال في ملامحها الهرمة وهي ترتدي هذا الثوب الأسود و كأنها في حداد دائم

وأخيراً !

وصلنا للمكان المطلوب وقالو لنا هنا يوجد صديقكم الشهيد، تفضلو مسرعيين

كان هذا المكان، كنيسة شبه مدمرة بدت وكأنها نالت قسطها من الخراب و الدمار الذي لم يُغفل أي شيء حتى دور العبادة والمدارس

خطوات قليلةٌ وسريعة، كانت تفصلنا عن دخول الكنيسة قبل أن تمطرنا السماء بوابل من القذائف و كأنها ترحبُ بقدومنا

أمتارٌ قليلةٌ جداً كانت بيننا وبين أحد القذائف المتساقطة، وفي ثواني معدودة بدا المشهد مأساوياً ومرعباً جداً

تم إقتيادنا بشكل سريع من سكان المنطقة و الجيش الحر إلى أحد الأقبية السكنية البعيدة نسبياً عن مدى القذائف، كان في إستقبالنا هناك إمرأة لطيفة بإبتسامة عريضة في منزلٍ متهالك في غرفةٍ صغيرة تحوي العديد من الأفرشة وشابٌ نائم لم يقلق نومه العميق لا دخولنا ولا حتى أصوات القذائف المتهاوية على الحي

أهلاً بكم! من أين أنتم؟ وسألت صديقتي بشغفٍ كبير، هل أنت صحفية؟

سرعان ما إختفت إبتسامتها الساحرة بعد أن أخبرناها عن سبب قدومنا وقالت: رحمه الله

هذا الشاب يضني القلب، أسكنه الله فسيح جناته

عم الصمت لعدة دقائق قبل أن تأتينا بالقهوة و نحن نستمع إلى أصوات القصف الذي لا يتوقف و يشق ضجيحه أحياناً أصوات شباب تكبر و تشيع الشهداء الذين كانو يسقطون في تلك الأثناء

رحمه الله، وهذا شهيدٌ أخر! هكذا كانت تقول هذه السيدة مع مرور كل تشيع بالحي

دخل إبنها الصغير و أخذ يخبرنا بعض القصص المروعة و البطولات التي معظم أبطالها اليوم من الشهداء

كل هذا الموت المستمر والقصف والدمار لم يقتل هذه الطفولة البريئة، وأصر هذا الصبي أن اشاركه لعبة الفيديو المفضلة لديه

التي إتضح لاحقاً إنه لا يملك غيرها!

أخبرتنا هذه السيدة عن إبنها الأكبر الذي أصيب بشظية هاون في ظهره وقد تسببت في إصابته بشللٍ نصفي نتيجة عدم توافرالعلاج الصحيح مع ندرة أو إنعدام تواجد الأطباء هناك، رغم وجود مشفى مجهز بشكل كامل واقع في المنطقة التي يسيطرعليها الجيش الحر، حاله حال شاب أخر مصاب بيده اليمنى أصرعلى التواجد معنا لحمايتنا وليرافقنا في طريق العودة خوفاً علينا من نيران القناصة في مناطق التماس

لا يمكن نقل الجرحى خارج هذه الأحياء لتلقيهم العلاج المناسب بسبب حواجز الجيش والأمن، وأيضاً من المستحيل نقل الشهداء، حال شهيدنا باسل الذي دفن هناك في حديقة قد خصصت للشهداء

هدء القصف وأثناء خروجنا مسرعين، صادفنا العديد من شبان الجيش الحر وحتى الأطفال ! كانوا جميعاً يلوحون لنا ويقولوا

هل شاهدتم؟

إعترانا الحزن في طريق العودة لعدم تمكننا من حضور مراسم دفن الشهيد ولكننا وبعد خروجنا من هذا الحي سرعان ما أدركنا سبب عشق هذا الشاب البطل لهذا المكان وسبب تواجده واستشهاده هناك … فمعظم من إلتقينا هناك، سألنا بعيون براقة مليئة بالشوق والتحدي كيف حال الشام عندكم

نعم… في ظل كل هذا الدمار كله تنفسنا الحرية التي لم يتسنى لنا تنفسها بحي القصاع اليوم أثناء محوالتنا التجمع من أجل روح الشهيد جانب الكنيسة التي أرصدت أبوابها بوجه المصلين على روحه الطاهرة، لا بل و أيضاً في مكان إقامته حيث إقتحمت جحافل الأمن و الشبيحة المكان لتمنع حتى العزاء عن أهله

كيف لا و حتى روحك يا باسل ترعبهم و تهز كيانهم الهش،المتهالك

باسل شحادة شهيد الحرية ….. إرقد بسلام

Advertisements
هذا المنشور نشر في مقالات متنوعة. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s